الخطيب الشربيني
516
مغني المحتاج
وما نقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه ليس على هذا الوجه ، فإن القرآن بالهمز عند الشافعي يقع على القليل والكثير ، والقرآن بغير همز عنده اسم جمع كما أفاده البغوي في تفسير سورة البقرة ، ولغة الشافعي بغير همزة ، والواقف على كلام الشافعي يظنه مهموزا ، وإنما ينطق في ذلك بلغته المألوفة لا بغيرها ، وبهذا اتضح الاشكال وأجيب عن السؤال . كتاب الكتابة وهي بكسر الكاف على الأشهر ، وقيل بفتحها كالعتاقة لغة الضم والجمع ، لأن فيها ضم نجم إلى نجم ، والنجم يطلق على الوقت الذي يحل فيه مال الكتابة كما سيأتي للعرف الجاري بكتابة ذلك في كتاب يوافقه . وشرعا : عقد عتق بلفظها بعوض منجم بنجمين فأكثر . ولفظها إسلامي لا يعرف في الجاهلية ، وهي معدولة عن قواعد المعاملات من وجوه ، الأول : أن السيد باع ماله بماله ، لأن الرقبة والكسب له . ال : يثبت في ذمة العبد لمالكه مال ابتداء . الثالث : يثبت الملك للعبد ، فإن هذا العقد يقتضي تسليطه على الملك مع بقائه على الرق ولكن جوزها الشارع لمسيس الحاجة ، فإن العتق مندوب إليه ، والسيد قد لا يسمح به مجانا ، والعبد لا مال له يفدي به نفسه ، فإذا علق عتقه بالكتابة استفرغ الوسع وتنامي في تحصيل الاكتساب لإزالة الرق ، فاحتمل الشرع فيها ما لا يحتمل في غيرها كما احتمل الجهالة في ربح القراض وعمل الجعالة للحاجة . والأصل فيها قبل الاجماع قوله تعالى : * ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) * ، وقوله ( ص ) : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . وكانت الكتابة من أعظم مكاسب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، قيل : أول من كوتب عبد لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقال له أبو أمية . ( هي مستحبة ) لا واجبة وإن طلبها الرقيق قياسا على التدبير وشراء القريب ، ولئلا يتعطل الملك وتتحكم المماليك على المالكين . وإنما تستحب ( إن طلبها رقيق ) كله أو بعضه كما سيأتي ، ( أمين قوى على كسب ) وبهما فسر الشافعي الخبر في الآية . واعتبرت الأمانة لئلا يضيع ما يحصله فلا يعتق ، والقدرة على الكسب ليوثق بتحصيل النجوم . ويفارق الايتاء حيث أجري على ظاهر الامر من الوجوب كما سيأتي ، لأنه مواساة وأحوال الشرع لا تمنع وجوبها كالزكاة . تنبيه : قوله : على كسب قد يوهم أنه أي كسب كان ، وليس مرادا ، بل لا بد أن يكون قادرا على كسب يوفي ما التزمه من النجوم . ( قيل : أو ) طلبها ( غير قوي ) إذا كان أمينا ، لأنه إذا عرفت أمانته أعين بالصدقات ليعتق ، والأول قال لا يوثق بذلك . ( ولا تكره ) الكتابة ( بحال ) وإن انتفى الوصفان ، بل هي مباحة حينئذ لأنها قد تفضي إلى العتق . ويستثنى كما قال الأذرعي ما إذا كان الرقيق فاسقا بسرعة أو نحوها وعلم السيد أنه لو كاتبه مع العجز عن الكسب لاكتسب بطريق الفسق فإنها بها تكره ، بل ينبغي تحريمها لتضمنها التمكين من الفساد ، ولو امتنع الرقيق منها وقد طلبها سيده لم يجبر عليه كعكسه . وأركانها أربعة : صيغة ورقيق وسيد وعوض . وقد شرع في الأول منها فقال : ( وصيغتها ) أي صيغة إيجابها الصريح من جانب السيد الناطق قوله لعبده : ( كاتبتك ) أو أنت مكاتب ( على كذا ) كألف ( منجما ) مع قوله : ( إذا أديته فأنت حر ) لأن لفظ الكتابة يصلح لهذا وللمخارجة فلا بد من تمييزها ، فإذا قال : فإن أديته فأنت حر تعين للكتابة . أما الأخرس فتكفي إشارته المفهمة بذلك . ( ويبين ) وجوبا قدر العوض وصفته ، و ( عدد النجوم ) وقدرها ( وقسط كل نجم ) والنقد إن لم يكن ثم نقد غالب ، لأنها عقد معاوضة فاشترط فيه معرفة العوض كالبيع . ولا يشترط تساوي النجوم ، ولا يشترط تعيين ابتداء النجوم بل يكفي الاطلاق